الشهيد أبو التيفليسي خادم المسيح
الاستشهاد: ٦ يناير سنة 786 م
المولد: عربي من بغداد
البلد التي استشهد فيها: تفليس (Tbilisi) -جورجيا في أيام حكم العباسيين
نشأته
كان أبو عربيًا من بغداد، من عائلة تعمل في صناعة الطيب والعطور. نشأ أبو في بيئة إسلامية، متعلّمًا اللغة العربية والقرآن، لكن كان يبحث عن الله، وكان يحب أن يسأل المسيحيين الذين كان يلتقي بهم في الأسواق عن إيمانهم بالمسيح. لم يكن معاديًا للمسيحية، بل كان ينجذب إلى نقاوة إيمانهم ووداعتهم، لكن الظروف السياسية في بغداد لم تكن تسمح بحرية الحوار الديني.
الرحلة إلى تفليس
في زمن الخلافة العباسية، ارسل الخليفة المنصور، والي عربي إلى تفليس (عاصمة جورجيا) لإدارة المدينة التابعة وقتها للخلافة العباسية، وكان أبو أحد مرافقيه. هناك، في أرض جورجيا، تعرف على مسيحيين أتقياء، منهم الكاهن الجورجي يوسف، الذي صار صديقه المقرّب.
كان أبو يسمع منهم عن يسوع المسيح الذي غفر لصالبيه، والذي أحبّ حتى أعداءه. هذه الفكرة كانت تُحيره كثيرًا:
“كيف يُمكن لإله أن يموت حبًا بالبشر؟”
وكان يوسف يجيبه: “… اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ”. (١ يوحنا ٤: ١٦)
اهتداؤه للمسيح
بعد فترة من التأمل والبحث، قرر أبو أن يقرأ الأناجيل بنفسه. وجد في كلمات المسيح ما لم يجده في أي كتاب آخر: “… أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم…” (متى ٤٤:٥)
بدأ قلبه يتغير شيئًا فشيئًا، واشتعل داخله شوق عجيب نحو الله. ذهب إلى يوسف، وقال له ببساطة: “لقد وجدت الحق. أريد أن أتبعه، مهما كلفني الأمر.”
فقبل المعمودية سرًا، في بيت صغير خارج أسوار تفليس، واعتمد باسم أبو، خادم المسيح.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح شخصًا جديدًا, وديعًا، متواضعًا، ووجهه يشعّ بسلام عجيب.
الاضطهاد
علم المسلمون في المدينة أن العربي أبو قد ترك الإسلام واعتنق المسيحية، وبدأوا يراقبونه.
عُرض عليه أن يعود إلى الإسلام مقابل العفو، لكنّه رفض قائلاً:
“كنتُ أعمى، والآن أبصر. كيف أعود إلى الظلمة؟”
قُدّم للمحاكمة أمام الوالي، فسأله القاضي:
“أأنت عربي وتترك دين آبائك؟”
فقال أبو بهدوء:
“نعم، لأن الحق أغلى من العادات، والمسيح هو الحق.”
غضب القاضي وأمر بحبسه وتعذيبه، محاولًا إقناعه بالتراجع. لكن أبو كان يُصلي في السجن مرددًا كلمات المزمور:
“الرب نوري وخلاصي، ممن أخاف؟” (مزمور ١:٢٧)
الاستشهاد
وفي يوم 6 يناير سنة 786م، صدر الحكم بقتله.
قادوه إلى ساحة عامة خارج أسوار تفليس، وسمحوا له أن يصلي للمرة الأخيرة. ركع ورفع عينيه نحو السماء، وقال: “أيها الرب يسوع، تقبّل روحي، واغفر لهم لأنهم لايعلمون ماذا يفعلون.”
ثم ضُرب بالسيف، فسقط شهيدًا، واستبدل عطر الطيب الذي كان يصنعه بيديه في الدنيا، بعطر الإيمان الذي فاح من سيرته في قلوب المؤمنين.
هاني نعيم