Subscribe

الأب والابنان: حوار الحب الذي لا يميّز بين الضياع والاستحقاق

بين النور والظلال

الأب والابنان: حوار الحب الذي لا يميّز بين الضياع والاستحقاق

في بيتٍ واحد اجتمع قلب الأب بابنين، لكن كلاهما كان يحتاج إلى استعادة مختلفة: أحدهما خرج بعيدًا عن البيت، والآخر بقي قريبًا منه لكنه لم يدخل إلى الفرح.

ولم تكن القصة مجرد عودة ابن، بل إعلان عن قلب أبٍ يخرج نحو الاثنين بنفس الحب، لا يميّز بين سقطات البعيد وبرود القريب.

حين عاد الابن من عمق الانكسار، لم ينتظر الأب أن يكتمل اعتذاره، بل خرج نحوه.

قال له الابن بخجل:
“يا أبي، أخطأت إلى السماء وأمامك، ولست مستحقًا أن أُدعى لك ابنًا…”

لكن الأب لم يتركه يكمل جملته في منطق الاستحقاق، بل احتضنه وقال له بلغة الحب:
“أنت ابني… لم يتغير هذا يومًا.”

ثم أضاف وكأنه يعيد له هويته:
“أعيدوا إليه الثوب الأول… ضعوا خاتمًا في يده… وأحذية في رجليه…”

لم يكن الأب يرمم ماضيه، بل يعيد إليه حياته.

كان الابن يظن أنه سيُستقبل كأجير، لكن الأب استقبله كابن.
كان يتوقع الحساب، فوجد الاحتضان.
كان يحمل تاريخًا من السقوط، فاستقبله الأب بتاريخ جديد من النعمة.

لكن القصة لم تنتهِ هنا، لأن صوتًا آخر بقي خارج الوليمة.

وقف الابن الأكبر غاضبًا، وقال:
“ها أنا أخدمك سنينًا هذا عددها، ولم أتجاوز وصيتك قط، ولم تعطني جدياً لأفرح مع أصدقائي…”

كان يتكلم بمنطق العدالة، لا بمنطق العلاقة.

فخرج الأب أيضًا إليه… بنفس الخطوات، بنفس القلب، بنفس الحب.

وقال له بهدوء:
“يا بني، أنت معي في كل حين، وكل ما لي فهو لك.”

لم يبدأ الأب بمقارنته بأخيه، ولم يقل له “انظر كم أخطأ الآخر”، بل أعاد له الحقيقة التي نسيها:
أنت لست أجيرًا… أنت ابن.

ثم كشف له أعمق جرح:
“لكن كان ينبغي أن نفرح ونُسر، لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوجد.”

لم يكن الأب يدافع عن الضال ضد البار، بل يدافع عن الفرح ضد القسوة.

الغريب في القصة أن الأب لم يغيّر أسلوبه مع الاثنين: احتضان ونعمة للضال ودعوة للحب والفرح للذي لم يترك البيت.

لم يكن هناك قلبان في البيت، بل قلب واحد يخرج لكل ابن بحسب حاجته.

الابن الضال احتاج أن يُستعاد،
والابن الأكبر احتاج أيضًا أن يُستعاد.

الأول كان بعيدًا عن البيت،
والثاني كان بعيدًا عن القلب.

الأب لم يوبّخ الابن الضال على ماضيه، ولم يوبّخ الابن الأكبر على قسوته، بل واجه الاثنين بنفس الحب: أعاد الهوية للضال، ومع أعاد الفرح للأكبر.

لأن المشكلة لم تكن في المسافة، بل في القلب الذي لا يحب.

القصة لا تتحدث عن ابنين مختلفين فقط، بل عن طريقتين للضياع: ضياع في البعد عن البيت وضياع في القرب بلا فرح.

لكنها قبل كل شيء، إعلان عن أب لا يتغير قلبه بين الخارج والداخل، بل يخرج دائمًا نحو الإنسان ليعيده إلى الحياة.

فالله يحتفل بعودة الابن الضال إلى هوية الابن، ويحتفل بعودة الابن الأكبر إلى هوية الابن. الله يدعو الجميع إلى الدخول إلى الفرح.

فطوبى لمن يسمع صوت الأب، فيعود من الطريق البعيد، أو يدخل من الباب القريب… لأن الاثنين مدعوان إلى حضن واحد لا يتغير.

هاني نعيم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *